الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
207
مناهل العرفان في علوم القرآن
ما فيه من كذب وافتراء وجهالة بما جاء في القرآن من ترغيب وترهيب ، في شطريه المكي والمدني على سواء . وإن أرادوا بانحطاطه الإشارة إلى قصر آياته ، أو إلى خلوه من التشريعات التفصيلية العملية فهذا لا يدلّ على الانحطاط ، بل قصر الآيات والخلو من تفاصيل التشريع لهما وجه آخر يظهر عند الكلام عليهما في الشبهات الآتية . وإن أرادوا مما ذكروا أن أهل مكة كانوا منحطين في الفصاحة والبيان والذكاء والألمعية ، فتلك ثالثة الأثافي ، لأن التاريخ شاهد عدل بأن قريشا كانت في مركز الزعامة من جميع قبائل العرب ، يصدرون عن رأيها ، ويرجعون إلى حكمها ، ويأخذون عنها ، ويركبون ظهور الإبل إليها ، وينزلون على قولها فيما يعلو وينزل من منظوم ومنثور ، ويذعنون لها بالسبق في مضمار الفصاحة والبلاغة ، والذكاء والألمعيّة ، والشرف والنبل . وكان لها هذا الامتياز من قبل الإسلام . ثم دام لها وزاد عليها في الإسلام . واعترف لها به أهل المدينة وغيرهم من عرب وأعجام . ! ثم إن وصف القسم المكي بميزات الأوساط المنحطة ، تهمة جريئة وطعنة طائشة ، وأكذوبة مكشوفة ، ما رضيها لأنفسهم أعداء الإسلام في فجر دعوته من مشركين وأهل كتاب ، وعرب وعجم ، وأميين ومثقّفين ، على حين أن أولئك العرب كانوا على أمّيتهم أعرف الناس بانحطاط الكلام ورقيّه ، وعلوّه ونزوله . كما كانوا أحرص الناس على إحراج محمد ، ودحض حجته ، ونقض دينه ، والقضاء على الإسلام في مهده . ولكن سجيتهم لم تسمح بهذا الهراء الذي يهرف به الملاحدة في القسم المكي من القرآن . بل نعلم بجانب بهذا أن القرآن كان له سلطان على نفوسهم إلى حدّ خارق مدهش ، يقودهم بقوته إلى الإسلام ، ويدفع المعاند منهم إذا استمع إليه أن يسجد لبلاغته ، ويهتزّ لفصاحته ، وأن يأخذ نفسه بالتشاغل عنه مخافة أن يؤمن عن طريق تأثّره بسماعه ! .